تساوى يوم الأربعاء في حلوله المتثاقل مع بقية الأيام التي كسرت خمولها وضجرها على أضلع مشعل الذي كان حتى الظهيرة لا يزال مرتخياً في سريره مثله مثل الوسادة أو الفرشة.. تحوم حوله خفافيش  جائعة، وأصوات بوم حادة تفرض عليه نوعاً من الاستسلام لضوضاء راحت تهاجمه وترتاد تخومه المستباحة لكل ما هو مزعج...

لم يعرف أن أسرته غادرت إِلى المزرعة التي تركته وحيداً ليهجم عليه البيت من كل زواياه وجدرانه وأبوابه وأشيائه.. ففرّ منه إِلى السطح.. ترك رئتيه تتنفس صمغا، وقلبه المعلق من شرايين ربع سالكه يبحث عن دم.. أما عيناه، فأرسلت حزمة رسائل إِلى كفيه اللتين التغت فيهما خطوط الحياة وتعاريجها.. بدا أفق سكاكا أكثر تعباً منه، هو الآخر يبدو دون هوية أو أحاديث يمكن التعكز عليها.. وواضح عليه التململ والتعكر من شراسة الصيف الذي كان ضارياً هذا العام.. ولم يفهم إلحاح الخريف لنيل بعض الطراوة والدلع من الشمس، كأن تميل إِلى كتفه وتغير وهجها.. أكرمته المدينة بنسمة متعبة، ربما أرسلتها إليه غابة نخيل بلهودية مشبعة بالعزلة راحت تتحرش بخجل مع بعض الغيوم المبعثرة فوق قامتها كالطبشور، وتخفي هناك تلك الفسحة من البَر التي تمتص سكان المدينة كما يمتص الإسفنج الماء.. بقي مشعل خارج اللعبة، فهو على الشاطئ المزروع بالحجارة المدببة والزجاج المكسر وشظايا الألسنة.. فشل في التآلف مع ذاته التي لا يعرف أين فرّت منه دون القدرة على البحث عنها..

نزل عن السطح، ثم صعد و نزل عدة مرات دون الجرأة على طرح أي سؤال يخص هذه اللحظات التي ضيقت عليه وعزلته عن نبضه حتى النهاية..  شعر أن كل هواء الدنيا لا يملأ فمه.. وكل ذلك الامتداد أصبح أصغر من شعرة في معصمه.. قذفه السطح إِلى المجلس ثم قذفه المجلس إِلى باحة الدار .. بدا المسبح هنا  مزيجاً من الدم والزفت.. فكانت الفرصة سانحة لأفكاره التي اقتادته كأرنب من أذنيه إِلى غرفته المجهز فيها كل شيء: علبة أسيد ومحارم وأوراق صفراء متسخة أحضرها عن أحد الأرصفة، ثم خبأها دون أن يدري الهدف منها سوى إعجابه بحالها الذي يشبه حاله..

حمل هذه الأشياء إِلى المجلس ببرودة أعصاب.. لم يشأ أن يتذكر صورته التي لمحها في المرآة المعلقة في الممر المؤدي إلى الفسحة الخارجية.. أحس أنه لا يشبه البشر بشيء.. لأول مرة منذ سنتين ونيف يتخذ قراراً لوحده عن سابق إصرار وتصميم. وضع العلبة أمامه التي انتصبت كعفريت وقال:

- يجب أن تموت كل الوحوش التي تطاردني لأنني لن أكون موجوداً بعد لحظات، سأجعلها تتحرر مني.

كانت الساعة السادسة مساءً عندما مسك العلبة واستعد لتناول أول جرعة قاتلة.. لكن صوت الهاتف الذي رنّ فجأة جعله يرتجف ويبعد فوهة العلبة عن فمه.. تتابعت رنات الهاتف دون خجل،بينما تصاعدت رائحة كريهة إلى خشمه وملأت جيوبه الأنفية وربما خر شت قصباته، فدفعته إلى سعلة بلهاء متواصلة.. أنعشت لديه رغبة الموت وحشرته في فوهة العلبة التي ضاق عليه عنقها، فرماها جانباً.. ودفعه إلحاح الهاتف لأخذ السماعة بعدما أراد قطع السلك أكثر من مرة.

- آلو.. آلو.. من.. مـ؟

صمت.. صمت موحش.

أعاد السماعة بشيء من اللامبالاة.. تكررت مباشرة رنات الهاتف.. تناول السماعة بقصد تركها مرمية.. لكن صوت أنثوي غير واضح دفعه لمعرفة مصدره.

- أرجوك.. أرجوك يا مشعل أن تسمعني..

(ظلَّ صامتاً»

- لن أقول لك إلا الحقيقة ،كل الحقيقة.. أنت حبيبي وأنا صادقة معك.. جوارحي هي التي تتكلم.. ثق بي.. ثق بي.. فأنا أعرفك منذ سنتين، وآن الأوان كي نتواصل.. ثق بي..

أحس أن غشاوة فولاذية قد أزيحت عن عيني، وأول ما لاحظ رجفة يديه.. خطفته تنهيدة من بلادة مستقرة في أعماقه.. تبادلا صمتاً صحراوياً موحشاً، انتابته بعض الذبذبات من طرفها لتتحول إلى وابل من الهزات في فراغه:

- أنت حبيبي.. حبيبي ولي وحدي.. لم تعد لوحدك.. أصبحنا اثنين.. منذ هذه اللحظة نحن اثنان.. لا تظن أنني مغامرة، أو من بنات هوى.. لا.. لا أبداً.. اتخذت قراري بعدما عرفت عنك كل شيء.. كيف تعيش وماهي معاناتك وأفراد أسرتك.. هم الآن في المزرعة، لذا وجدت الفرصة سانحة كي نتكلم بحرية وأقدم لك اعترافاتي التي لم يعد يتسع لها صدري.. أنا بحاجة لك وبحاجة لأن أقول بأعلى صوتي أنك حبيبي.

- مَـ.. مَـ.. مَـ..نْ.. مَـ.. نْ أنتِ؟

لأول مرة يسأل سؤالاً خرج من أعماقه الجريحة منذ ثلاث سنوات.

- ستعرف عني كل شيء وكل ما تريد معرفته، والأهم أن تعرف أن هناك صبية جميلة دائماً بانتظارك.

شعرت أنها تتكلم دون صدى، وشعرت بارتباكه وهذا متوقع منه، أيضاً خف توترها وازداد حماسها لمتابعة الكلام:

- أنت مشعل.. مشعل وقلبك هدفي، ويجب أن يكون قلبي هدفك..

سقطت السماعة من يده، وكأن وهجاً ساطعاً أضاء المكان وجعله يتغلغل في خلاياه كالشمس التي ترسم دروباً للصباحات الندية.. بللت قطرات عرق وجهه الشاحب.. بدأ نبضه بالتسارع كأنه حقن بجرعة من براري ربيعية هائجة في سكونه المطبق.. لم يميز بين الزهر والشوك.. المهم انطلق منه مارد راح يركض حافياً عابثاً بالشوك وبالصوان وبالورد.. راح يتحسس قدميه اللتين تصرخان من التعب.. كانت المسافة بعيدة.. بعيدة جداً وصوت المنادي أبعد وعليه الوصول..

أدركت أنها صدمته، وبدت لها الصدمة قوية، ربما أقوى من الصدمات الكهربائية في غرف العناية المشددة.. كانت رجفا ته عندما سألها كمن يواجه عفريتاً.. حضّرت لهذه الصدمة العاطفية طويلاً ،لكنها لم تدرك جيداً الوضع الذي وصل إليه بعد إهمال له من الجميع طال وطال..

دفعته السماعة المتأرجحة إلى إعادتها لمكانها بعدما استجمع بعض قواه الدفينة في أعماق لم تسلب بعد..

أحس أن خطواته الباردة تستعجله إلى إعادة السؤال: مَـ.. مَـ.. مَنْ؟.. لم يقدر على المواجهة، لكن السؤال امتلك من الحرارة العالية كأنه بركان انفجر على ضفاف بحيرة ثلجية راح يكسر ذلك التماسك بكلمة شاعرية قوية.. حبيبي.

- إنها تكذب.. إنها تستدرجني كبقية الخفافيش إلى أوكارها.

تلمس أذنيه ومنخره وشعره..

- نعم أنا مشعل.. لكن أنت مَنْ؟ لن أكون هدفاً لأحد.. الوداع.

أخذ علبة الأسيد وتركها تتأرجح بين يديه بطريقة هزلية محاولاً أن يسخر منها أو تسخر منه.. فبينه وبين نفسه مسافة مليئة بالشكوك والجمر وشظايا مجهولة المصدر، وعليه أن يعبر حافياً كي يقبل أحدهما الآخر، ولا تزال هذه العلبة التي أحضرها قبل شهر من المنطقة الصناعية بآخر مالديه من نقود هي المنقذ، وإن كان ثمهنا رخيصاً،فهي بالنسبة له أغلى ما في الوجود لأنها ستنقذه من هذا الجحيم الذي وضعه على صليب الحياة وراح يرميه بسهام موجعة دون رحمة..

رنّ الهاتف.. انتصب..ثم خطى باتجاهه خطوة واحدة ورفع السماعة:

- مشعل.. أنت نور عيني وروحي وأملي وأنت الجبل الذي أعتد به وحلمي الجميل وحبي الكبير..

سقطت السماعة والعلبة من يديه.. السمّاعة على القدم الأيسر والعلبة على القدم الأيمن.. انسكب بعض الأسيد على السجادة، وقليله على إبهام القدم، فراح يصرخ ويصرخ من شدة الألم.. سمعت صراخه وحسبت أنّه يصرخ فرحاً.. التقى في داخله وجعان: وجع كلامها ووجع قدمه وهو غير قادر على التمييز بينهما كثيراً.. ركض إلى صنبور الماء وفتحه على قدمه ثم عقمه بالديتول ولفه بشاشة صادفها على سرير والدته.. بعد قليل هدأ وجع الحرق الذي بدا بسيطاً تجاه وجع كلامها الذي راح يزداد.. هرب إلى سريره، فاستقبله برائحة آدمية لم يشمها من قبل أبداً وكأنها رائحة عش أليف.. بدأت تتغلغل فيه متعة خفية قادمة من عالم غريب، وتحل كضيفة على ذاكرته المقفرة.

لم يكن من السهل أبداً تحرر حواسه من ثلاجة عتيقة تختبئ خلف جدران جمجمته.. حتى عينيه لم يكن بإمكانهما إعطاء أي إشارة ساخنة أو باردة إلى هذه الثلاجة التي تجمد العالم الخارجي في شهيتها المفتوحة لابتلاع أي جديد وحفظه، لكنها لا تستطيع قتله..

استضاف موجة كلمات أربكته لحين، ثم تلتها انفعالات تركب صهوة كلمات مبهمة.. بين أخذ ورد لاحت له صورة معركة بطلتها أنثى.. لم يحدد ملامحها تماماً، وأهمل خطواته في مطاردتها، ورغم شعوره بالوهن إلا أنه تمنى أن يعرف عنها شيئاً لأن فيها رائحة تشبه الرائحة الآدمية التي شمها للتو.. رائحة خبز طازج أو ابتسامة طفولية.. راح يفتش عما يربط بين هذه الخطوات المتسارعة التي تحاول اقتياده إلى فسحة خديه اللذين يبحران في شحوب خريفي ولد من رحم سنين استؤصل بعملية قيصرية وألقى على مزابل الزمن الضائع..

                                                                       

- يا ابنة القطة ،أنا مجرد مريض ومجنون وأستعد للموت بالأسيد..

- أنت تعترف.. تعترف لي وحدي بذلك.. أنت صادق جداً ورائع جداً.. انتظرتك زمناً طويلاً.. هيا مدْ يدك لي.. لقد اخترتك وجعلتك تصرخ فرحاً.. صرخت لأنك كنت بانتظاري.. هيا.. هيا اعترف بأنني أعجبتك..

- أنتِ وهم.

- أنا الكلمة الطيبة.. أنا الحقيقة.  

تابع

-